فكر: الصراع المتفاقم بين اهل الدين والحداثة،

   هو سبب انفصام الشخصية العربية، وضعفها وانحطاطها!!

نحن متخلفون عن الغرب، ليس بالحداثة، بل بالروحانيات!!

   من اجل خيار وسطي ثالث يشكل جسرا بين الدين والحداثة.

سليم مطر ـ جنيف

تشرين الثاني 2015

 

ان أي مراقب لحال مجتمعاتنا العربية منذ اكثر من قرن وحتى الآن، يجد ان ثلاثة أرباع مصائبنا وطاقاتنا وصراعاتنا وخياناتنا وانقلاباتنا وحروبنا، متأتية من هذا الانشقاق التاريخي العظيم:
   الصــــراع بيــــن أهـــل الديـن عباد الماضي الاسلامي، وأهل الحداثــة عباد المستقبل الاوربي(ماركسيون وليبراليون وقوميون)!!
وهذه الهوة الخطيرة، لم نفشل فقط بردمها، بل لم نكف عن توسيعها بمزيد من التطرف الديني والتطرف الحداثي. واكبر دليل انها تحولت الى حروب اهلية ارهابية ادت وتؤدي الى تدمير دول وشعوب وتقسيمها ودفع ابنائها الى الهروب والتتشتت في انحاء العالم.

هذه محاولة سريعة ومختصر للمقارنة بين (الاحوال العقائدية: الدينية ـ الحداثية) في المجتمعات العربية والغربية. فلعل هذه المقارنة تساعدنا على رسم معالم الطريق الذي يساعدنا على الخروج من هذا القمقم المغلق، وهذه اللعبة الجهنمية التي لا تكف عن التفاقم منذ حوالي القرن والنصف.

نعم هنالك مجال لمقارنة لأن المجتمعات الغربية، ايضا تعيش مثلنا هذا الصراع بين (الدين والحداثة) ولكن بخصوصيات كبيرة لم ينتبه لها لا حداثيونا ولا متدينونا. ويمكن اختصار هذه الفرون بالعاملين التاليين:

اولا ـ في المجتمعات الغربية، إن مرجعيات أهل الدين وأهل الحداثة، مقرهما وجذورهما في الغرب نفسه، وتستلهم مصادرها وحججها من الثقافة والتراث والتاريخ الغربي نفسه. مثال على ذلك: ان المسيحي الغربي مهما تعصب، والحداثي الغربي مهما تعصب، الاثنان يعترفان ويفتخران وينتميان الى الحضارتين اليونانية والرومانية. بل هنالك مثال أوضح: إن الطرفان المسيحي والحداثي، معاً استفادا من الفتوحات الاستعمارية الاوربية خلال قرون 1500 ـ 1945. فالكنائس المسيحية الاوربية، في ظل دولها الليبرالية الحداثية، نشرت مبشريها في جميع المستعمرات وأجبرت غالبية سكان أفريقيا وأمريكا وبعض آسيا، على إعتناق المسيحية الكاثوليكية والبروتستانية!!

بينما نحن في مجتمعاتنا العربية الممسوخة، فان أهل الدين وأهل الحداثة، يعيشان في كوكبين مختلفين، بل متحاربين. فالمتدين مهما كان عقلانياً، فأنه لا يعيش الحاضر، بل جذوره ومصادره محصورة في العصر الاسلامي وبالذات الحقبة الاولى. وهو يعتبر رغماً عنه إن كل التاريخ الحضاري العظيم السابق في الدول العربية مرفوضاً وثنيا كافراً. أما أهل الحداثة فهم أيضاً لا ينتمون الى واقعنا وميراثاتنا لأنهم يعيشون في كوكب آخر اسمه (اوربا وامريكا). فالحداثي مهما كان وطنياً وقومياً ويسارياً أو ليبرالياً، فانه رغماً عنه مصدره وملهمه وحلمه نابع من الحداثة والتجربة الاوربية. وحتى عندما يحاول أن يجبر نفسه ويتقرب من التراث الاسلامي، فأنه يلجأ بحذر ودبلوماسية وانتقائية يسارية أو ليبرالية، مستعيناً طبعاً بالمستشرقين الاوربيين!

ثانيا ـ إن التجربة الاوربية والامريكية، تمكنت خلال القرون الاخيرة من خلق تيار شعبي وسطي ثالث بين التيار الحداثي الالحادي المتطرف والتيار الديني المسيحي الكنسي. وهذا التيار الثالث موزع الى عدة اتجاهات بمختلف الالوان والعقائد، لا مسيحية ولا ملحدة:

    ــ اتجاه شعبي يمكن تسميته بـ (التيار اللا أدريAgnostiue ). فمثلاً، لو طرحت هذا السؤال على الناس الشعبيين في الغرب: هل أنت متدين أم ملحد؟ فأن نصفهم على الأقل سوف يكون جوابه التالي: (لا أدري.. اني أبحث عن الجواب..).. لهذا تراه من الطبيعي، إنه يتقبل الحوار معك إذا كنت متديناً أو ملحداً، لأنه يبحث عن اختيار..

       ــ اتجاه روحاني بدائلي New age -Alternative، ينمو بقوة منذ أعوام الستينات يعتمد على العقائد الروحانية والآسيوية وغيرها. وفلسفته البدائلية تشمل مختلف جوانب الحياة، الروحية والطبية والتربوية، بالاضافة الى الموقف الرافض للتطرف الصناعي والسلاحي المدمر للطبيعة والانسان.

أما نحن، فأن نخبنا الدينية والحداثية، معاً بقيت حبيسة تحَّجرها وكسلها المرعب. فليس أسهل من استنساخ ثقافة السلف الصالح بالنسبة للديني، أو استنساخ الطروحات الاوربية الجاهزة، ليبرالية ويسارية، بالنسبة للحداثي.

أسطع دليل على غياب أية ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة السلفية (سنية وشيعية) والثقافة الحداثية الغربية (يسارية وليبرالية)، غياب أي اهتمام بتقديم العقائد الدينية القديمة والجديدة المنتشرة في العالم. كذلك غياب الثقافة البدائلية التي لها في الغرب نخبها الكبرى المعروفة وما لا يحصى من كتبها التي تجدها في جميع المكتبات. فنحن لسنا متخلفين عن اوربا فقط بالثقافة الحداثية، بل نحن متخلفون عنها خصوصاً بالثقافة البدائلية الروحانية الغنية والمتنوعة والشاملة لمختلف جوانب الحياة المعيشية والفلسفية والطبية.

النتيجة إن المواطن العربي المسكين ليس أمامه غير خيارين، أسود أو أبيض:

أما أن يكون سلفياً صالحاً، أو حداثياً طالحاً!!!! وأي موقف ثالث متردد أو متسائل أو باحث، فأنه مرفوض بقوة من قبل الطرفين!! وهذا سر تفاقم انحطاط مجتمعاتنا بسبب إنفصام الشخصية وانمساخ الهوية وسيادة مشاعر الحقد والعنف.

بينما الاوربي والامريكي، أمامه خيار ثالث فيه جميع الالوان والاذواق والاتجاهات. وبالتالي، فأن المجتمعات الغربية لا تعاني مثل مجتمعاتنا، من التمزق والاحتراب الوحشي بين أهل الدين وأهل الحداثة. لأن الخيار الثالث يشكل جسراً حوارياً بين أهل الدين وأهل الحداثة.

ــــــــــــــ

مهم جدا: هذا الموضوع جزء من الملحق ـ الخاتمة، الذي اضفناه الى الطبعة الثانية 2015 من كتابنا(المنظمات السرية التي تحكم العالم). ويمكن لمن ان يرغب مطالعة هذا الملحق بكامله مع الصور التوضيحية المهمة: 

http://www.salim.mesopot.com/images/stories/PDF/%20%20%20%20%20-%20%20os-4.pdf