ملاحظة مهمة جدا: هذه ليست دين بل رؤية فلسفية وحياتية لا تتعارض مع أي دين

 ما هي عقيدة الوسطية الصينية(الين واليانغ) 

وكيف تفيدنا في تحقيق التوازن والاستقرار؟

سليم مطر ـ جنيف

الين واليان

كيف حققت الصين اعجوبتها بالجمع بين الرأسمالية والشيوعية؟

لماذا تعود الانسان الصيني ان يجمع بين عدة اديان وعقائد دون أي شعور بالتناقض؟

لماذا تجد في جميع مستشفيات الصين، قسما للطب الحديث وقسما للطب التقليدي؟

ما هو(فكرنا الوسطي) وكيف نتخلص من كارثة تمزقنا التاريخي بين تطرفي الحداثة والتدين؟

 

في الصين هنالك ثلاث عقائد متداخلة مع بعضها البعض رغم تمايزها التاريخي والتفصيلي (الكونفوشيسية، والتاوية، والبوذية، بالاضافة الى الشيوعية في العصر الحديث.

ـ الكونفوشيسية تعالج علاقة الفرد بالمجتمع والدولة وتعلمه كيفية تطبيق النظام.  

ـ البوذية تعالج علاقة الانسان بذاته وخالق الكون.

ـ التاوية تعالج علاقة الانسان بالحياة والوجود بأجمعه، وكيفية خلق التناغم الكلي في داخل الانسان وفي خارجه حتى بلوغ (التاو) أي الانسجام الكلي.

عقيدة (الين واليانغ) جوهر عقائد الصين

انوثة وذكورة

جميع هذه العقائد رغم اختلافها، تشترك بتبني جوهر الايمان الصيني(الينع واليانغ، والتاو)، وحتى الشيوعية الصينية قد تبنتها بصورة تلقائية. يمكن اختصارها كالتالي:

ان الوجود بأجمعه، من كواكب واكوان وبشر وحيوان ونبات وجميع المواد وأعضاء الجسد والسماء والأرض والالوان وحتى الغذاء والدواء. يتكون من قوتين او طاقتين متكاملتين:  (ينغ و يانغ) ولفظها الصحيح هو(ینگ ـ یانگ)، مثال الكهرباء(السالب والموجب):

 ـ الـ(ينغ ـ طاقة الانوثة، المنفعلة السالبة الاستقبالية)، وتتمثل بـ: الليل، القمر، اللون الاسود والازرق، الارض، الشمال(البارد)، اليسار، الفراغ، السكون، العواطف، الاستقبال، التناقص، الاتجاه نحو الداخل، وهكذا دواليك جميع نواحي الوجود والحياة..

ـ الـ(يانغ ـ طاقة الذكورة، الفعالة الايجابية الاقتحامية)، وتتمثل بـ: النهار، الشمس، اللون الابيض والاحمر، السماء، الجنوب(الساخن)، اليمين، الامتلاء، الحركة، العقل، الاقتحام، الزيادة، الاتجاه نحو الخارج، وهكذا باقي نواحي الوجود والحياة..

من المهم جدا جدا، التأكيد على ان هذه (الثنائية تكاملية) وليست (تناقضية). بمعنى ان أي طرف منها لا يوجد الاّ مع الطرف الآخر. فليس هنالك ليل دون نهار، شهيق دون زفير، ذكر دون أنثى، عالي دون واطي، ساخن دون بارد.. إلخ؛ وكلٌّ منهما يحمل معه قدرة التحوُّل نحو الآخر. في داخل كل رجل هنالك نسبة من الانوثة:(العاطفة والحنان والانطواء الداخلي.. الخ) ولكن طبعا اقل من نسبة الذكورة:( العقل والصلابة والانطلاق نحو الخارج.. الخ). كذلك في كل إمرأة هنالك نسبة اقل من الذكورة. والانسان السوي، رجل ام إمرأة، من ينجح بالاعتراف بوجود الجانبين والتوازن بينهما.

                                        الخير والشر في العقيدة الصينية 

الخير والشر

ان الحياة والوجود أجمعه في كفاح دائم من اجل تحقيق التوازن والانسجام ، أي (التاو) بين طاقتي الكون(الينغ الانوثة واليانغ الذكورة). (الخير والصحة والصفاء) في تحقيق التوازن بينهما، و(الشر والمرض والفوضى) في غلبة طاقة على الاخرى.  فمثلا ان وجود الذكور وحدهم، او الاناث وحدهن، هو الشر ونهاية التناسل، اما توزان الجنسين وانسجامهما، فيعني التزاوج والانجاب واستمرار الحياة. الأنثى وحدها هي الوحشة والجفاف، والذكر وحده هو السأم والموت، الانسجام والتوافق بين الاثنين هو الحب والخصب والحياة. بين الماضي والمستقبل هناك الحاضر، والحاضر هو الخير وهو الواقع، وهو الماضي والمستقبل بآن واحد. ان الشر لا يكمن في النار وحدها بل في الثلج أيضاً، أما الخير فيكمن في وسط النار والثلج، أي الماء الجاري من اتحادهما، وهو الارتواء والخصب وسر الحياة. البرد وحده هو الشر، كذلك الحرّ وحده هو الشر، والانسجام والتوسط بين الاثنين هو الدفء والراحة للانسان والطبيعة.

   ان مبدأ (التاو) اشبه بالنظارة التي يشاهد فيها الصيني جميع الموجودات، ويتعامل من خلالها مع جميع العقائد والاديان مهما كانت. وهذه بعض النماذج المعروفة عن تطبيقات وسطية (التاو):

ـ (الطب الصيني)، وهو من اهم مجالات التطبيق الانسجامي، فهو قائم على الفكرة البسيطة التالية:

medecine chinoise pharmacopee

ان جسم الانسان يحتوي على هاتين الطاقتين (اليان الحارة، والين الباردة). ان الصحة تعني التوازن بين هاتين الطاقتين، والمرض يعني الخلل في توازنهما. وتسري الثنائية ايضا على اعضاء الانسان. فجلده مثلا، يغلب عليه (يانغ) لأنه خارجي، وداخله (ينغ) وهكذا كل أعضائه. تُعتبَر أحشاء الإنسان المحمية من العوامل الخارجية أعضاء (ينغ)، بالمقارنة مع الجلد والعضلات التي تُعتبَر(يانغ). القدمين (ينغ) والذراعين (يانغ). كما تُصنَّف الأحشاء نفسها إلى أعضاء جوفاء، كالمعدة والامعاء والمثانة، التي تقوم بأعمال التحويل والتصريف، وتُعتبَر(يانغ)، وإلى أعضاء غير جوفاء، كالكبد والطحال والرئة، التي تقوم بأعمال التركيب والتخزين، وتُعتبَر( ينغ). كذلك هنالك مجاري (قنوات) لهاتين الطاقتين في جميع أنحاء الجسم، ولكل نوع منهما ثمة مراكز تحكم منتشرة في أنحاء البدن الخارجي.

الطب الصيني

11194

ان الأمراض ليست عدوا، بل  نداء داخلي يدعو الانسان لإصلاح تخلخل معين في بدنه ناتج عن تخلخل في حياته(الغذاء والبيئة والمحيط ..). يعاد هذا التوازن من خلال تحسين السلوك والبيئة والتغذية والرياضة والادوية العشبية والوخز بالابر. من اجل تحريك الطاقتين ودفعهما للتوازن من خلال تقليل الطاقة الزائدة وزيادة الطاقة الناقصة. فمثلا لو كان المرض بسبب زيادة في طاقة اليانغ الحارة، وقلة الينغ الباردة، فأن المريض عليه ان يستهلك اغذية واعشاب وتمارين تزيد طاقة الينغ (الباردة)، وتقليل طاقة اليانغ (الحارة). وهذه الطريقة تشبه كثيرا الطب العربي(الحار والبارد).  

SetRatioSize800600 Arte marcial Jodo 1

كذلك طبق مبدأ (الين واليان) على الكثير من مجالات الحياة، مثل رياضة المبارزة الصينية (كونفو)، وتمارين التوازن (تايچی کوین) و(كي كونغ). بل طبقت التاوية حتى على تنظيم سكن الانسان (فانگ تشو) حيث تبنى المدن والبيوت وتنظم دواخلها بصورة تحترم التوازن بين طاقتي الين واليان. فينصح مثلا ان يكون اتجاء الرأس عند النوم نحو الشمال والشرق، لأنه اتجاه (ين) يمنح الهدوء والخدر، أما وضعنا في العمل فيحسن ان نتجه نحو الجنوب والغرب لأنه اتجاه (يان) فعال ومنشط.

                                                                                    الفكر الوسطي

المجتمع الامثل

حسب علمنا، بأننا أول من استخدم (الثنائية الصينية) في علم الاجتماع (راجع الفصل الثاني من كتابنا ـ الذات الجريحة، الذي صدرت طبعته الاولى عام (1997). ان الثنائية التاوية قد استخدمت عادة في تحليل وضع الفرد الانساني وكذلك على الوجود الطبيعي والكوني، لكنها لم

 تستخدم في تحليل المجتمع الانساني، أي في (علم الاجتماع). وقد اطلقنا على طريقتنا هذه بالتحليل الاجتماعي (الفكر الوسطي).

لو اخذنا مثال عقائد الشرق واروبا، السماوية والقديمة، منذ بدء الحضارة وحتى الآن، فانها اعتمدت على (الثنائية التناقضية)، أي ان (قوة الخير) و(قوة الشر) متناقضتان لا شيء يجمع بينهما. دائما نطرح السؤال التالي: (ايهما احسن وايهما اسوء): الذكورة أم الانوثة، الليل أم النهار، العلم ام الدين، الدولة ام الشعب، الماضي ام المستقبل.. الخ .. ويتوجب عليك ان تكون مع طرف وضد طرف. ولا تفكر ابدا، بامكانية الجمع بينهما، من خلال التوازن وعقلنة الطرفين.

العقل الغربي

على عكس العقل الصيني، ان العقل الغربي (الاوربي الامريكي) قام على اساس (التناقض والصراع) بين ثنائيات الوجود: المادية والمثالية، العلم والدين، الطبيعة والتصنيع، الجمال والاحتشام، الرجولة والانوثة، الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية، التراث والحداثة. وبلغ التطرف اقصاه في الايمان بان الحضارة الغربية الحديثة هي المقياس الوحيد لانسانية البشر اجمعين، وكل من يخالفها، فهو متخلف رجعي معاد للتقدم وللتحضر وللديمقراطية ولحقوق الانسان..

بناءاً على هذا فإن أي مجتمع لن يبلغ الاستقرار والأزدهار إلاّ بتوازن ثنائياته وتكاملها: الدولة والمجتمع، القوى السياسية والقوى المدنية، الدين والعلم، الانتاج والابتهاج، المدينة والريف.. ومن بين كل ثنائيات المجتمع، فإن ثنائية (المرأة والرجل) هي الأكثر أهمية، في جميع النواحي البيولوجية والروحية والتربوية والاقتصادية والسياسية. دائماً المجتمعات التي تعيش حالة عنف وتوتر وقمع هي المجتمعات التي يبلغ فيها تخلخل التوازن بين الرجل والمرأة حده الأقصى، حيث السيطرة الحاسمة لعناصر الذكورة ورموزها: الفحولة والأبوة والقوة والعمل والعقل الخالي من العواطف، والسلاح والحديد والجفاف والصراخ والفردية. نعم هذه كلها  ضرورية ومفيدة للمجتمع في حالة التخفيف منها ومزجها مع عناصر الأنوثة : الأمومة والليونة والراحة والعواطف والخضرة والرطوبة والهدوء والروح الجماعية.

ان المجتمع الأمثل هو الذي يحقق التوازن بين مكوناته الذكورية الأنوثية، في الدولة والادارة والقانون والدين والثقافة والتربية وجميع مكونات الحياة المادية والروحية.

الارهاب

مثلا، ان(العنف والقتل والارهاب) هو نتاج للتطرف في (اليانغ الذكورة)، لانه نتاج للتطرف والتعصب في (تقديس العقيدة ومشروع الخلاص المستقبلي، وهي يانغ ذكورية) باسم الدين او الحداثة او الشيوعية.  وبنفس الوقت هو احتقار والغاء لـ(الينغ الانوثة، أي الحاضر والحياة  المادية الواقعية). ان الحروب الاستعمارية وابادة الهنود الحمر واستعباد الملايين من الافارقة، تمت باسم مشروع وعقيدة (الحضارة الغربية وتخليص البشر من تخلفهم).  كذلك الشيوعيون في كمبوشيا قد ابادوا ربع سكان شعبهم، لتحقيق (مشروع وعقيدة) المجتمع الشيوعي الطاهر النقي. كذلك الارهابيين الاسلامييين(القاعدة وداعش) حللوا قتل البشر وتدمير الحياة من اجل تحقيق (مشروع وعقيدة) مجتمع السلف الصالح الطاهر.

ان (الخيار الوسطي ـ التاو) المطلوب في هذه الحالات المتطرفة، يكون بالجمع المتوازن بين الايمان بـ(فكرة الخلاص المستقبلي) مع الايمان بـ( الانسان والحياة الواقعية الحاضرة).    

                                                  التوفيقية والوسطية

التوفيقية والوسطية

كثيراً ما يساء فهمة(الوسطية) باعتبارها نوعاً من (التوفيقية) والنفعية المتغيرة. هنالك فرق كبير بينهما. (التوفيقية) هي محاولة الجمع بين النقيضين جنباً الى جنب والمناورة بالاعتماد على كل منهما. أما (الوسطية) فهي البحث عن الاعتدال بين موقفين يبدوان متنقاضين، مثل العلم والدين. ان  (التوفيقي

) يحاول أن يكون بنفس الوقت متديناً جداً وعلمياً جداً دون أي منطق مشترك يجمع بين الموضوعين. ينتقل من حالة التزمت الديني الى حالة التزمت العلمي حسب المزاج والظرف والمصلحة. أما (الوسطي) فانه يبحث عن المنطق الواحد الذي يجمع بين العلم والدين مع تشذيب كل منهما من جوانبه المتطرفة. أي أنه يؤمن بالقوة الالهية التي تقود الكون والحياة، كذلك يؤمن بأن العلم له قوانينه العقلانية، ولكن هنالك الغاز وعوامل غيبية غامضة تؤثر في الوجود والحياة، العلم عاجز حتى ألآن عن ادراك خفاياها، كما بينت مكتشفات( الفيزياء الكمية Physique quantique).

منهجي

ين يانغ مقارنة

لمزيد من المعلومات ابحث في الانترنت عن الكلمات التالية:

الينغ واليانغ/ الطب الصيني/ فينغ شيوي/ الرياضات الصينية

ـ الذات الجريحة / الفصل الاول / سليم مطر/ طبعات 1997 و2007